عبد الوهاب الشعراني
221
تنبيه المغترين
اللّه تعالى يقول : شهوات النفس نيرانها وحطبها لذتها والجوع ماؤها التي تطفأ به ، وقد كان يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام من أطيب الناس طعاما كان يأكل الجراد وقلوب النخل . وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يجوع نفسه ويميتها ويقول لها الأكل أمامك ، وكان بشر بن السري رحمه اللّه تعالى يقول : لأن أترك ذرة من غداي أو عشاي أحب إلي من عبادة العابدين وصلاة المصلين وحج الحاجين وصوم الصائمين وجهاد المجاهدين ، وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : مذهب جميع الصالحين الجوع فمن فر منه فهو من الفاسقين ، وقد أدركنا العلماء وهم ربيع فصاروا الآن مزابل الدنيا وإذا رأيتم الزاهد يرخص بأكل الشهوات فاعلموا أنه قد رجع عن الزهد لأن التبسط في الدنيا معدود من فسق العارفين ، وو اللّه ما بقي أحد من زهاد هذا الزمان تقر العين برؤيته . وقد أدركنا أقواما كانوا يحرصون على ترك الدنيا أكثر مما يحرص هؤلاء على تحصيلها واعلموا أن من كان شبعه بالطعام لم يزل جائعا ، ومن كان استناده إلى الخلق دون اللّه تعالى لم يزل مخذولا ، وقد كان يزيد الرقاشي رحمه اللّه تعالى لا يشرب الماء البارد أبدا ويقول : أخاف أن أحرم شربه غدا إن شربته اليوم - يعني في الآخرة - . وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : الناس يقولون أن من ترك اللحم أربعين يوما قل عقله ، وإني قد تركته سنين وما نقص من عقلي شيء وللّه الحمد ، وكان رحمه اللّه تعالى لا يأكل من رطب البصرة شيئا وإذا مضى زمنه يقول : يا أهل البصرة هذا بطني ما نقص ترك أكل الرطب منه شيئا ولا زاد في بطونكم شيئا . وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : صاحب الشهوات معذب في الدنيا والآخرة ، في الدنيا في تحصيلها وفي الآخرة في الحساب عليها ، واعلموا أن من كثر أكله كثر لحم بطنه ومن كثر لحم بطنه كثرت شهواته ومن كثرت شهواته كثر ذنوبه ومن كثرت ذنوبه قسا قلبه ومن قسا قلبه غرق في الذنوب والآفات ومن غرق في الذنوب والآفات دخل النار ، وقد اشتهى مالك بن دينار رحمه اللّه في مرض موته خبزا أبيض ولبنا فلما أتوه به نظر إليه وقال : دافعت عن نفسي الشهوات طول عمري أفأوافقها في آخره ثم قال : اذهبوا به إلى يتيم بني فلان ولم يأكله . وقد مكث معروف الكرخي رحمه اللّه تعالى ثلاثين سنة يشتهي أن يغمس جزرة في